الثلاثاء، 12 نوفمبر 2013

[إثبات صفة الاستطابة لله سبحانه وتعالى]

[إثبات صفة الاستطابة لله سبحانه وتعالى] 
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين , أما بعد:

قال البخاري في صحيحه : 7538 - حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا محمد بن زياد، قال: سمعت أبا هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربكم، قال: «لكل عمل كفارة، والصوم لي وأنا أجزي به، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك».

ورواه مسلم كذلك 163 - (1151).

قال النووي في "شرحه على مسلم" 8/30 :
وأما معنى الحديث فقال القاضي قال المازري هذا مجاز واستعارة لأن استطابة بعض الروائح من صفات الحيوان الذي له طبائع تميل إلى شئ فتستطيبه وتنفر من شيء فتستقذره والله تعالى متقدس عن ذلك لكن جرت عادتنا بتقريب الروائح الطيبة منا فاستعير ذلك في الصوم لتقريبه من الله تعالى قال القاضي وقيل يجازيه الله تعالى به في الآخرة فتكون نكهته أطيب من ريح المسك كما أن دم الشهيد يكون ريحه ريح المسك وقيل يحصل لصاحبه من الثواب أكثر ممن يحصل لصاحب المسك وقيل رائحته عند ملائكة الله تعالى أطيب من رائحة المسك عندنا وإن كانت رائحة الخلوف عندنا خلافه والأصح ما قاله الداورى من المغاربة وقاله من قال من أصحابنا إن الخلوف أكثر ثوابا من المسك حيث ندب إليه في الجمع والأعياد ومجالس الحديث والذكر وسائر مجامع الخير.اهـ.

و
هذا التحريف لصفة الاستطابة الذي استبعده المازري وأقره عليه النووي, قد تبعه عليه كذلك ابن حجر في "شرحه على الصحيح" 4/105 وكذلك العراقي والعيني والسيوطي والقسطلاني والشوكاني وغيرهم من الشراح بل عامتهم.

وعامة من تقدم ذكرهم من الشراح هم: من المعطلة, الذين سلكوا مسلك التعطيل في أبواب الصفات وتحريف نصوص الكتاب والسنة عن المعاني التي دلت عليها ظواهرها
.

وقد انبرى لرد هذا التحريف الإمام ابن القيم رحمه الله واعتبره ضرباً من ضروب التأويل بغير ضرورة وإخراجاً للفظ عن حقيقته وظاهره وحقق القول في هذه الصفة بما لا نظير له , حيث قال في كتابه "الوابل الصيب" ص/28:
ثم ذكر (أي ابن الصلاح) كلام الشراح في معنى طيبه وتأويلهم إياه بالثناء على الصائم والرضى بفعله، على عادة كثير منهم بالتأويل من غير ضرورة، حتى كأنه قد بورك فيه فهو موكل به، وأي ضرورة تدعو إلى تأويل كونه أطيب عند الله من ريح المسك بالثناء على فاعله والرضا بفعله، وإخراج اللفظ عن حقيقته؟ وكثير من هؤلاء ينشئ للفظ معنى ثم يدعي إرادة ذلك المعنى بلفظ النص من غير نظر منه إلى استعمال ذلك اللفظ في المعنى الذي عينه أو احتمال اللغة له.
ومعلوم أن هذا يتضمن الشهادة على الله تعالى ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأن مراده من كلامه كيت وكيت، فإن لم يكن ذلك معلوماً بوضع اللفظ لذلك المعنى أو عرف الشارع صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعادته المطردة أو الغالبة باستعمال ذلك اللفظ في هذا المعنى أو تفسيره له به وإلا كانت شهادة باطلة.
ومن المعلوم أن أطيب ما عند الناس من الرائحة رائحة المسك، فمثل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا الخلوف عند الله تعالى بطيب رائحة المسك عندنا وأعظم.
ونسبة استطابة ذلك إليه سبحانه وتعالى كنسبة سائر صفاته وأفعاله إليه فإنها استطابة لا تماثل استطابة المخلوقين، كما أن رضاه وغضبه وفرحه وكراهته وحبه وبغضه لا تماثل ما للمخلوق من ذلك، كما أن ذاته سبحانه وتعالى لا تشبه ذوات خلقه وصفاته لا تشبه صفاتهم وأفعالهم.
وهو سبحانه وتعالى يستطيب الكلم الطيب فيصعد إليه، والعمل الصالح فيرفعه.
وليست هذه الاستطابة كاستطابتنا.
ثم إن تأويله لا يرفع الإشكال، إذ ما استشكله هؤلاء من الاستطابة يلزم مثله الرضا، فإن قال رضا ليس كرضا المخلوقين، فقولوا استطابة ليس كاستطابة المخلوقين.
وعلى هذا جميع ما يجيء من هذا الباب.اهـ.


وقد أشار إلى كلام ابن القيم السابق الشيخ عبد الله الدويش رحمه الله في تعليقه على فتح ابن حجر ص/6 ,حيث قال :
كل هذا تأويل لا حاجة إليه وإخراج للفظ عن حقيقته والصواب أن نسبة الاستطابة إليه سبحانه كنسبة سائر صفاته وأفعاله إليه فإنها استطابة لا تماثل استطابة المخلوقين كما أن رضاه وغضبه وفرحه وكراهته وحبه وبغضه لا تماثل ما للمخلوق من ذلك كما أن ذاته سبحانه وتعالى لا تشبه ذوات المخلوقين وصفاته لا تشبه صفاتهم وأفعاله لا تشبه أفعالهم قاله العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في الوابل الصيب والله أعلم.اهـ.

وقد استفدت كل النقول السابقة من بحث لأحد الإخوة فجزاه الله خيراً على جهده. 

وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.