الأحد، 5 يناير 2014

[ملحق بمقال:] بعض مخالفات الذهبي في كتابه السير وغيره من كتبه

[ملحق بمقال:] بعض مخالفات الذهبي في كتابه السير وغيره من كتبه

فيما يلي ملحقٌ بما سبق ذكره من المخالفات التي وقع فيها الذهبي في كتابه السير وغيره من كتبه (وتجده هنا) ولم يذكرها مؤلف "الاحتجاج" مع التعليق على بعضها وبيان وجه الغلط فيها:

1- تصحيحه إسلام تارك عمل الجوارح والذي انعقد إجماع السلف على كفره:
جاء في مختصره لكتاب الإيمان الكبير لابن تيمية ص١٧٥:
فيمتنع أن يكون الرجل لا يفعل شيئا مما أمر به من الصلاة والصوم والحج ويفعل كل محرم أمكنه وهو مع ذلك مؤمن في الباطن، بل لا يرتكب ذلك كله إلا لعدم الإيمان. انتهى كلام ابن تيمية رحمه الله.

قال الذهبي في الحاشية معلقاً: «قد يكون غاليا في الإرجاء فآل به إلى فعل ذلك وهو مسلم!».

وهذا الكلام صريح في تصحيح إسلام تارك عمل الجوارح والذي انعقد إجماع السلف على كفره.

(أما الإجماع ، فهو ما نقله الشافعي رحمه الله ، عن الصحابة والتابعين:
قال: "وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ومن أدركناهم يقولون : الإيمان قول وعمل ونية لا بجزيء واحد من الثلاث إلا بالآخر".
[شرح أصول اعتقاد أهل السنة لللالكائي 5/956 ، مجموع الفتاوى 7/209]

ولا يتم الاستدلال بهذا الإجماع على المطلوب إلا ببيان المراد بالعمل في قول الشافعي : قول وعمل ونية ، وقبل ذلك أشير الى ثبوت هذا الاجماع عنه رحمه الله .

أولا : ثبوت هذا الإجماع :
قال اللالكائي في شرح أصول اعتقاد اهل السنة والجماعة 5/956:
"قال الشافعي رحمه الله في كتاب الأم في باب النية في الصلاة: نحتج بأن لا تجزيء صلاة إلا بنية لحديث عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات) ثم قال :
وكان الإجماع من الصحابة والتابعين .... " الخ .

وهكذا نقله شيخ الاسلام أيضا عن كتاب الأم .
فهذا نقل عن كتاب ، لا يحتاج إلى بحث في الإسناد .
وكون هذا النص ليس موجودا الآن في كتاب الأم كما قال محقق كتاب اللالكائي ، لا يعني عدم وجوده فيه في عصر اللالكائي ، وعصر شيخ الإسلام ، بل لو كان مفقودا في زمن شيخ الإسلام لأحال في نقله على الللاكائي ، كما يفعل ذلك كثيرا في كتبه رحمه الله.
بل هذا الإجماع الذي يحكيه الشافعي ذكره الرازي عنه واستشكله :
قال شيخ الإسلام ( 7/511) :
"وكان كل من الطائفتين بعد السلف والجماعة وأهل الحديث متناقضين ، حيث قالوا : الإيمان قول وعمل ، وقالوا مع ذلك : لا يزول بزوال بعض الأعمال!
حتى ان ابن الخطيب وأمثاله جعلوا الشافعي متناقضا في ذلك ، فإن الشافعي كان من أئمة السنة ، وله في الرد على المرجئة كلام مشهور ، وقد ذكر في كتاب الطهارة من " الأم " إجماع الصحابة والتابعين وتابعيهم على قول أهل السنة ، فلما صنف ابن الخطيب تصنيفا فيه ، وهو يقول في الإيمان بقول جهم والصالحي استشكل قول الشافعي ورآه متناقضا" اهـ

فثبوت هذا الإجماع عن الشافعي رحمه الله لا شك فيه ، وهو ثابت عن غيره أيضا ، وهو قولهم : الإيمان قول وعمل ، لكن ما نقله الشافعي يبين منزلة عمل الجوارح ، وأن الأجزاء الأخرى لا تنفع بدونه.

وقد أشار الى هذا الإجماع ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم (1/104 ت : شعيب الارناؤوط).

ثانيا : ما المقصود بالعمل في هذا الاجماع ؟
والجواب : المقصود بذلك عمل الجوارح جزما ، وبيان ذلك بأمرين :
الأول :
أن قوله "ونية" إشارة الى عمل القلب ، فتعين حمل قوله "وعمل" على عمل الجوارح . كما أن قوله "قول" شامل لقول اللسان وقول القلب .
والنية هي الإخلاص وهو عمل القلب ، وتمثيل الأئمة لعمل القلب بالنية أو الإخلاص أمر شائع مشهور ، وتأمل هذا النقل عن الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام (224هـ) في كتابه الإيمان ص 9،10 لترى استعماله لنفس عبارة الشافعي ، مع التعبير عن النية بالإخلاص ، وعن العمل بعمل الجوارح ، في حكاية قول أهل السنة:
قال: "اعلم رحمك الله أن أهل العلم والعناية بالدين افترقوا في هذا الأمر فرقتين :
فقالت إحداهما : الإيمان بالإخلاص لله بالقلوب
وشهادة الالسنة
وعمل الجوارح .
وقالت الفرقة الأخرى : بل الإيمان بالقلوب والألسنة فأما الأعمال فإنما هي تقوى وبر وليست من الإيمان . وإنا نظرنا في اختلاف الطائفتين ، فوجدنا الكتاب والسنة يصدقان الطائفة التي جعلت الإيمان :
بالنية
والقول
والعمل ،جميعا ، وينفيان ما قالت الأخرى " انتهى .

وهنا عبر الإمام أبو عبيد عن حقيقة مذهب أهل السنة بتعبيرين:
الأخير منهما هو تعبير الشافعي رحمه الله ،
فدل على أن العمل : هو عمل الجوارح
وأن النية : هي الإخلاص ، وهو من عمل القلب .

وانظر في التمثيل لعمل القلب بالنية :
الصلاة وحكم تاركها لابن القيم ص46 حيث قال: "عمل القلب : نيته وإخلاصه"
و معارج القبول 2/589 .

الأمر الثاني :
الذي يدل على أن العمل هنا هو عمل الجوارح :
أن من العلماء من حكى الاجماع بلفظ قريب من لفظ الشافعي وصرح بأن العمل هو عمل الجوارح :
قال الإمام الآجري في الشريعة ص 125(ط.دار الكتب العلمية ، ت: محمد بن الحسن إسماعيل) بعد ذكر المرجئة وسوء مذاهبهم عند العلماء :
وهو في الطبعة المحققة للدكتور الدميجي 2/686:
"بل نقول – والحمد لله – قولا يوافق الكتاب والسنة وعلماء المسلمين الذين لا يستوحش من ذكرهم وقد تقدم ذكرنا لهم : ان الإيمان معرفة بالقلب تصديقا يقينا ، وقول باللسان ، وعمل بالجوارح ، لا يكون مؤمنا إلا بهذه الثلاثة ، لا يجزي بعضها عن بعض ، والحمد لله على ذلك " انتهى .

ولتمام الفائدة أنقل إجماعا آخر حكاه الآجري أيضا:

قال ص 102 ( 2/611 ت: الدميجي ) :
"قال محمد بن الحسين : اعلموا رحمنا الله تعالى وإياكم : أن الذي عليه علماء المسلمين أن الإيمان واجب على جميع الخلق ، وهو تصديق بالقلب ، وإقرار باللسان ، وعمل بالجوارح .
ثم اعلموا أنه لا تجزيء المعرفة بالقلب والتصديق إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقا ،
ولا تجزيء معرفة بالقلب ونطق باللسان حتى يكون عمل بالجوارح ،
فإذا كملت فيه هذه الثلاث الخصال كان مؤمنا .
دل على ذلك الكتاب والسنة وقول علماء المسلمين " .

ودفعا لما قد يتوهمه البعض ، ومنعا لتطويل النقاش بغير فائدة أقول : وقفت على من حاول تأويل قول الشافعي – ومثله قول الآجري هنا - : " لا يجزي "
وأقول : تأمل جيدا قوله (لا تجزيء المعرفة بالقلب والتصديق إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقا).

يظهر لك جليا أن الإجزاء هنا بمعنى الصحة والقبول ، إذ لا يصح الايمان مع ترك قول اللسان بإجماع اهل السنة!

وقوله بعد ذلك : "لا تنفعه" صريح في اثبات المطلوب .

وقال الآجري في إيضاح الإجماع الذي حكاه : ص 103 ( 2/614 ت: الدميجي ) :
"فالأعمال – رحمكم الله تعالى – بالجوارح تصديق للإيمان بالقلب واللسان .
فمن لم يصدق الايمان بجوارحه : مثل الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وأشباه لهذه ،
ورضي من نفسه بالمعرفة والقول : لم يكن مؤمنا ، ولم تنفعـــــــــه المعرفة والقول ، وكان تركه العمل تكذيبا منه لإيمانه ، وكان العمل بما ذكرنا تصديقا منه لإيمانه ، وبالله تعالى التوفيق " انتهى كلام الآجري.

وقال أيضا في كتابه الاربعين حديثا ، المطبوع مع الشريعة ص 422:
"اعلموا رحمنا الله واياكم ان الذي عليه علماء المسلمين واجب على جميع الخلق : وهو تصديق القلب ، وإقرار باللسان ، وعمل بالجوارح . ثم إنه لا تجزيء معرفة بالقلب ونطق باللسان حتى يكون معه عمل بالجوارح . فإذا اكتملت فيه هذه الخصال الثلاثة كان مؤمنا ، دل على ذلك الكتاب والسنة وقول علماء المسلمين ... ولا ينفع القول اذا لم يكن القلب مصدقا بما ينطق به اللسان مع القلب ...
وإنما الإيمان بما فرض الله على الجوارح تصديقا لما أمر الله به القلب ، ونطق به اللسان ، لقوله عز وجل : ( يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون ) وقال عز وجل ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) ,
وفي غير موضع من القرآن ، ومثله فرض الحج وفرض الجهاد على البدن بجميع الجوارح . والاعمال بالجوارح تصديق عن الايمان بالقلب واللسان .
فمن لم يصدق بجوارحه مثل الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وأشباه هذه ، ومن رضي لنفسه بالمعرفة دون القول والعمل لم يكن مؤمنا .
ومن لم يعتقد المعرفة والقول كان تركه للعمل تكذيبا منه لإيمانه [كذا ]
وكان العمل بما ذكرنا تصديقا منه لايمانه ، فاعلم ذلك .
هذا مذهب علماء المسلمين قديما وحديثا ،
فمن قال غير هذا فهو مرجيء خبيث ، فاحذره على دينك ، والدليل عليه قوله عز وجل {وما أمروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} "   انتهى كلام الآجري رحمه الله).

[الكلام من قوله: أما الإجماع  .. إلى آخره منقول من مقال بعنوان (تحرير المقال في مسألة ترك عمل الجوارح)].

وقال أبو عبد الله ابن بطة في الإبانة 2/760:
(باب بيان الإيمان وفرضه وأنه : تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح والحركات لا يكون العبد مؤمنا إلا بهذه الثلاث .
قال الشيخ : اعلموا رحمكم الله أن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه فرض على القلب المعرفة به والتصديق له ولرسله ولكتبه وبكل ما جاءت به السنة ،
وعلى الألسن النطق بذلك والإقرار به قولا
وعلى الأبدان والجوارح العمل بكل ما أمر به وفرضه من الأعمال
لا تجزيء واحدة من هذه إلا بصاحبتها .
ولا يكون العبد مؤمنا إلا بأن يجمعها كلها حتى يكون مؤمنا بقلبه ، مقرا بلسانه ، عاملا مجتهدا بجوارحه .
ثم لا يكون أيضا مع ذلك مؤمنا حتى يكون موافقا للسنة في كل ما يقوله ويعمله ، متبعا للكتاب والعلم في جميع أقواله وأعماله.
وبكل ما شرحته لكم نزل به القرآن ومضت به السنة ، وأجمع عليه علماء الأمة).

وقال أيضا 2/ 779:
(واعلموا رحمكم الله أن الله عز وجل لم يثن على المؤمنين ولم يصف ما أعد لهم من النعيم المقيم والنجاة من العذاب الأليم ولم يخبرهم برضاه عنهم إلا بالعمل الصالح والسعي الرابح .
وقرن القول بالعمل ، والنية بالإخلاص حتى صار اسم الإيمان مشتملا على المعاني الثلاثة لا ينفصل بعضها عن بعض ، ولا ينفع بعضها دون بعض ، حتى صار الإيمان قولا باللسان ، وعملا بالجوارح ، ومعرفة بالقلب ، خلافا لقول المرجئة الضالة الذين زاغت قلوبهم وتلاعبت الشياطين بعقولهم .
وذكر الله عز وجل ذلك كله في كتابه ، والرسول صلى الله عليه وسلم في سنته).

وقال في 2/795:
(قال الشيخ : فقد تلوت عليكم من كتاب الله عز وجل ما يدل العقلاء من المؤمنين أن الإيمان قول وعمل ، وأن من صدق بالقول وترك العمل كان مكذبا وخارجا من الإيمان.
وأن الله لا يقبل قولا إلا بعمل ، ولا عملا إلا بقول).

وهذا الاستطراد في بيان هذه المسألة لأهميتها وكثرة من خبط فيها ونسب إلى السلف خلاف ما تكلموا به وأجمعوا عليه والله المستعان.

2- إطلاقه لعبارات سيئة في حق بعض الصحابة عليهم رضوان الله أجمعين:
أ- نقل قول النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأبي ذر رضي الله عنه: (يا أبا ذر إني أراك ضعيفاً، وإني أحب لك ما أحب لنفسي؛ لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم). وقال: "فهذا محمول على ضعف الرأي؛ فإنه لو ولي مال يتيم لأنفقه كله في سبيل الخير، ولترك اليتيم فقيراً".اهـ (السير 2/75).

ب- وقال في ترجمة مروان بن الحكم: "وكان أبوه قد طرده النبي صلى الله عليه وسلم؛ إلى الطائف؛ ثم أقدمه عثمان إلى المدينة؛ لأنه عمه".اهـ (السير 3/477).

ج- وقال في ترجمة أبي سفيان حرب رضي الله عنه: "تداركه الله بالإسلام يوم الفتح؛ فأسلم شبه مكره خائف؛ ثم بعد أيام صلح إسلامه، وكان من دهاة العرب ومن أهل الرأي والشرف فيهم؛ فشهد حنيناً، وأعطاه صهره رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغنائم مئة من الإبل، وأربعين أوقية من الدراهم يتألفه بذلك؛ ففرغ عن عبادة هبل، ومال إلى الإسلام".اهـ (السير 2/106).

د- وقال في حق عبدالله بن الزبير رضي الله عنه وعن أبيه: "كانت أم المؤمنين من أكرم أهل زمانها ولها في السخاء أخبار، وكان ابن الزبير بخلاف ذلك".اهـ (السير 2/198).

هـ- وقال في ترجمة طلحة بن عبيدالله رضي الله عنه: "الذي كان منه في حق عثمان: تمغفل، وتأليب فعله باجتهاد؛ ثم تغير عندما شاهد مصرع عثمان".اهـ (السير 1/35).

قال الإمام أحمد رحمه الله: «من تنقص أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ينطوي إلا على بلية، وله خبيئة سوء، إذا قصد إلى خير الناس، وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم».
وقال:
«فالنبي عليه السلام قد نهى عن ذكر أصحابه وأن ينتقص أحد منهم، وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم ما يكون بعده من أصحابه. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبأ بذلك، فالاقتداء برسول الله والكف عن ذكر أصحابه فيما شجر بينهم والترحم عليهم , ونقدم من قدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، نرضى بمن رضي به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد موته. قال الله تبارك وتعالى: {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون} [البقرة: 134]».
[وينظر السنة للخلال 2/431 وما بعدها والشريعة للآجري 5/2485 وما بعدها]

3- تهوينه من شأن بدعة الجهمية المكفرة التي كفّر بها السلف جماعة من أهل البدع منهم المريسي:
قال في ترجمة بشر المريسي: "ومن كفر ببدعة - وإن جلت - ليس هو مثل الكافر الأصلي، ولا اليهودي، والمجوسي؛ أبى الله أن يجعل من آمن بالله ورسوله، واليوم الآخر، وصام، وصلى، وحج، وزكى - وإن ارتكب العظائم، وضل، وابتدع - كمن عاند الرسول، وعبد الوثن، ونبذ الشرائع، وكفر، ولكن نبرأ إلى الله من البدع وأهلها".اهـ (10/202).

قال المحقق في الحاشية: هذا كلام صادر عن إنصاف وتعقل وعلم، فرحم الله المؤلف رحمة واسعة، فإنه يتوخى دائما جانب الإنصاف في التراجم، وقلما تجد من يقاربه في ذلك.اهـ

ولا غرو أن يغتبط المحقق بهذا الكلام إذ هو موافق لهواه في التلطف مع أسلافه من الجهمية والدفاع عنهم والاعتذار لهم.

أما قوله: عن بدعة المريسي (وهي التجهم) ليست مثل كفر اليهود فصواب, بل هي أشد كفراً وقوله أفحش وأقبح من قولهم!

قال عبد الله بن المبارك رحمه الله: «إنا نستجيز أن نحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستجيز أن نحكي كلام الجهمية».
[رواه عبد الله بن الإمام أحمد في السنة 1/111 والدارمي في الرد على الجهمية ص29 وغيرهما]
قال الدارمي رحمه الله عقبه: وصدق ابن المبارك، إن من كلامهم في تعطيل صفات الله تعالى ما هو أوحش من كلام اليهود والنصارى.

وقال سعيد بن عامر رحمه الله: «الجهمية أشر قولا من اليهود والنصارى، قد اجتمعت اليهود والنصارى، وأهل الأديان أن الله تبارك وتعالى على العرش، وقالوا هم: ليس على العرش شيء ».
[خلق أفعال العباد للبخاري 2/17 والسنة لعبد الله (وليس في المطبوع منه) والرد على الجهمية لابن أبي حاتم كما في درء التعارض 6/261]

وقال علي بن عاصم رحمه الله: «إن الذين قالوا إن لله ولدا أكفر من الذين قالوا: إن الله لا يتكلم ... ».
[الإبانة لابن بطة 2/106 وخلق أفعال العباد 2/19 وغيرهما]

وقال البخاري رحمه الله : «نظرت في كلام اليهود والنصارى والمجوس فما رأيت أضل في كفرهم منهم، وإني لأستجهل من لا يكفرهم إلا من لا يعرف كفرهم».
[خلق أفعال العباد 2/24]

وقال البخاري رحمه الله: «ما أبالي صليت خلف الجهمي الرافضي أم صليت خلف اليهود والنصارى، ولا يسلم عليهم، ولا يعادون، ولا يناكحون، ولا يشهدون، ولا تؤكل ذبائحهم».
[المصدر السابق 2/33]

وقال أبو عبيد رحمه الله: «ومن قال هذا (أي التأويل والتعطيل) فليس شيء من الكفر إلا وهو دونه، ومن قال هذا فقد قال على الله ما لم يقله اليهود والنصارى ومذهبه التعطيل للخالق».
[المصدر السابق 2/34]

وقال الدارمي رحمه الله في النقض 299: (فافهم أيها المريسي أنك تأولت في يدي الله، أفحش مما تأولت اليهود ..).
وقال ص724: (لقد سببتم الله بأقبح ما سبه اليهود).

وأما تكفير المريسي فقد أجمع عليه السلف.
انظر السنة لعبد الله بن أحمد (باب: ما حفظت في جهم وبشر المريسي) 1/167, والسنة للخلال (باب: ذكر بشر المريسي) 5/99, وأسماء من حكم عليه بذلك عند اللالكائي 3/425, وانظر ترجمته في تاريخ بغداد 7/61/3516.

4- قوله بزيارة القبور والتبرك بها وأن الدعاء عندها مستجاب!
أ- قال في ترجمة أبي بكر أحمد بن لال: "والدعاء عند قبره مستجاب".اهـ (السير 17/76).

ب- وقال في ترجمة ابن زيرك: "وقبره يزار، ويتبرك به".اهـ (السير 18/434).

5- تعقبه لكبار أئمة السلف وأهل السنة فيما اتفقوا على القول به والإنكار على من خالفهم فيها ومن ذلك:
قال: "لا يعجبني قوله استقر؛ بل أقول كما قال مالك الإمام: الاستواء معلوم".اهـ (العلو ص262).

تفسير الاستواء بالاستقرار تفسير صحيح جاء عن غير واحد من أهل العلم من السلف والخلف وإليك ذكرهم:
1-ابن عباس رضي الله عنهما (84هـ) [الأسماء والصفات للبيهقي 873]
2-مجاهد (103هـ) [مختصر الصواعق 2/143]
3ـ-الكلبي [تفسير البغوي 2/165 ونقله في العلو ص261]
4- مقاتل [تفسير البغوي 2/165 ونقله في العلو ص261]
5ـ-عبد الله بن المبارك (181هـ) [مجموع الفتاوى 5/591 وقال: ومن تابعه من أهل العلم وهم كثير]
6-ابن قتيبة (276هـ) [تأويل مختلف الحديث ص171]
7-ابن عبد البر (463هـ) [التمهيد 7/129]
8ـ-أبو أحمد القصاب الكرجي في عقيدته التي كتبها للقادر بالله وجمع الناس عليها وذلك في صدر المائة الخامسة وأمر باستتابة من خرج عنها من معتزلي ورافضي وخارجي ومما قال فيها: .. خلق العرش لا لحاجة إليه فاستوى عليه استواء استقرار كيف شاء وأراد لا استقرار راحة كما يستريح الخلق.اهـ [العلو للذهبي 2/1303]
9-أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي الشافعي (532هـ) قال في كتابه "الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول":
وإذا تقرر أن تأويل الصحابة مقبول فتأويل ابن عباس أولى بالاتباع والقبول فإنه البحر العباب وبالتأويل أعلم الأصحاب فإذا صح عنه تأويل الاستواء بالاستقرار وضعنا له الحد بالإيمان والتصديق وعرفنا من الاستقرار ما عرفناه من الاستواء وقلنا إنه ليس باستقرار يتعقب تعباً واضطراباً بل هو كيف شاء وكما يشاء والكيف فيه مجهول والإيمان به واجب كما نقول في الاستواء سواء.اهـ [بيان تلبيس الجهمية 7/403]
10- ابن تيمية (728هـ) [الفتاوى 5/519 وبيان تلبيس الجهمية 6/104 و8/304]
11- ابن القيم (751هـ) :
وقد جمع في النونية 2/361 هذه المعاني فقال:
فلهم عبارات عليها أربع ... قد حصلت للفارس الطعان
وهي استقر وقد علا وكذلك ار ... تقع الذي ما فيه من نكران
وكذاك قد صعد الذي هو أربع ... وأبو عبيدة صاحب الشيباني
يختار هذا القول في تفسيره ... أدرى من الجهمي بالقرآن
-وقال في مختصر الصواعق 1/380: أن استواء الشيء على غيره يتضمن استقراره وثباته وتمكنه عليه كما قال تعالى في السفينة: {واستوت على الجودي} [هود: 44] أي رست عليه واستقرت على ظهره.اهـ
12- عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (1285ه) حيث قال كما في الدرر السنية 3/215:
إن معنى استوى: استقر، وارتفع، وعلا، وكلها بمعنى واحد؛ لا ينكر هذا إلا جهمي زنديق، يحكم على الله وعلى أسمائه وصفاته بالتعطيل، قاتلهم الله أنى يؤفكون.اهـ

وصدق الشيخ رحمه الله فليس للذهبي سلف في إنكاره هذه اللفظة إلا المعطلة:
انظر شرح ابن بطال 10/447 والمفهم للقرطبي 1/436 والفتح لابن حجر 7/156 و13/416 وشرح العيني 25/111.

[وهذه النقول والإحالات جميعها مستفادة من مقدمة التحقيق لكتاب إثبات الحد للدشتي]

6- لينه مع أهل البدع في تراجمه لهم, ومن ذلك:
أ) نقل عن سبط ابن الجوزي في كتاب رياض الأفهام؛ سب الغزالي لعمر رضي الله عنه؛ في كتابه (سر العالمين وكشف ما في الدارين) حيث قال في حديث (من كنت مولاه، فعلي مولاه): إن عمر قال لعلي: بخ بخ؛ أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة. قال الغزالي: وهذا تسليم ورضى؛ ثم بعد هذا غلب عليه الهوى حباً للرياسة، وعقد البنود، وأمر الخلافة ونهيها؛ فحملهم على الخلاف، فنبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون. ثم قال – أي الذهبي -: "وما أدري ما عذره في هذا؟ والظاهر أنه رجع عنه، وتبع الحق؛ فإن الرجل من بحور العلم!".اهـ (السير 19/328).

ب) وقال في ترجمة يزيد البسطامي: "سلطان العارفين".اهـ (السير 12/86).
وقال: "وجاء عنه - يقصد البسطامي - أشياء مشكلة لا مساغ لها؛ الشأن في ثبوتها عنه، أو أنه قالها في حال الدهشة والسكر، والغيبة والمحو؛ فيطوى، ولا يحتج بها؛ إذ ظاهرها إلحاد؛ مثل: سبحاني. وما في الجبة إلا الله. ما النار؛ لأستندن إليها غداً، وأقول: اجعلني فداء لأهلها، وإلا بلعتها. ما الجنة؟ لعبة صبيان، ومراد أهل الدنيا. ما المحدثون؟ إن خاطبهم رجل عن رجل؛ فقد خاطبنا القلب عن الرب. وقال في اليهود: ما هؤلاء؟ هبهم لي؛ أي شيء هؤلاء حتى تعذبهم؟".اهـ (السير 13/88).

ج) ومن لينه مع أهل البدع من المعطلة بل ودفاعه عنهم واعتذاره لهم وتحامله على أهل السنة قوله في الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه: "وأسوأ شيء قاله: أنه ضلل العلماء الحاضرين، وأنه على الحق، فقال كلمة فيها شر وفساد وإثارة للبلاء؛ رحم الله الجميع وغفر لهم؛ فما قصدهم إلا تعظيم الباري عز وجل من الطرفين، ولكن الأكمل في التعظيم والتنزيه؛ الوقوف مع ألفاظ الكتاب والسنة، وهذا هو مذهب السلف؛ رضي الله عنهم".اهـ (السير 21/464).

7- تهوينه من شأن الإرجاء والمرجئة:
وقال: "وقد كان على الإرجاء عدد كثير من علماء الأمة، فهلا عد مذهباً! وهو قولهم: أنا مؤمن حقا عند الله الساعة، مع اعترافهم بأنهم لا يدرون بما يموت عليه المسلم من كفر أو إيمان، وهذه قولة خفيفة".اهـ (السير 9/436).

8- لبسه خرقة التصوف البدعية:
وقال ترجمة السهروردي: "وكان تام المروءة؛ كبير النفس؛ ليس للمال عنده قدر؛ لقد حصل له ألوف كثيرة فلم يدخر شيئاً، ومات ولم يخلف كفناً، وكان مليح الخلق والخلق؛ متواضعا؛ كامل الأوصاف الجميلة؛ قرأت عليه كثيراً وصحبته مدة،وكان صدوقاً، نبيلاً؛ صنف في التصوف كتاباً شرح فيه أحوال القوم، وحدث به مراراً .. ألبسني خرق التصوف؛ شيخنا المحدث الزاهد ضياء الدين عيسى بن يحيى الأنصاري بالقاهرة، وقال: ألبسنيها الشيخ شهاب الدين السهروردي بمكة عن عمه أبي النجيب".اهـ (السير 22/376-377).
وقال في تاريخ الإسلام 15/843 عن شيخه عيسى بن يحيى: وكان مليح القراءة للحديث، حسن المعرفة، كبير الحرمة، ألبسني الخرقة وذكر لي أنّه لبسها بمكة من الشَّيْخ شهاب الدِّين السُّهْرَوَرْديّ، وأنشدني فِي ذَلِكَ أبياتًا حسنة.

[وينظر في حكم لبسها وإلباسها مجموع الفتاوى 11/85 و11/510 ومجموعة الرسائل والمسائل 1/147 ومنهاج السنة 8/47]

وختاماً ينبغي أن أنوه أن كل ما في هذا المقال من نقول استفدتها من غير واحد من الإخوة فجزاهم الله خيراً وليس لي إلا أن جمعتها في موضع واحد رجاء أن ينتفع بها من يقرؤها.


والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الخميس، 2 يناير 2014

بعض مخالفات الذهبي في كتابه السير وغيره من كتبه

بعض مخالفات الذهبي في كتابه السير وغيره من كتبه

للذهبي في سيره وغيرها من كتبه كثير من المخالفات قد نبه عليها العلماء ومن أعظمها:
1- القول بجواز التبرك بقبر النبي صلى الله عليه وسلم وشد الرحل إليه.
قال في السير 4/484: (من زاره - صلوات الله عليه - وأساء أدب الزيارة، أو سجد للقبر، أو فعل ما لا يشرع، فهذا فعل حسناً وسيئاً، فيعلم برفق، والله غفور رحيم.
فوالله ما يحصل الانزعاج لمسلم، والصياح وتقبيل الجدران، وكثرة البكاء، إلا وهو محب لله ولرسوله، فحبه المعيار والفارق بين أهل الجنة وأهل النار، فزيارة قبره من أفضل القرب، وشد الرحال إلى قبور الأنبياء والأولياء، لئن سلمنا أنه غير مأذون فيه لعموم قوله - صلوات الله عليه -: "لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد".
فشد الرحال إلى نبينا -صلى الله عليه وسلم-مستلزم لشد الرحل إلى مسجده، وذلك مشروع بلا نزاع، إذ لا وصول إلى حجرته إلا بعد الدخول إلى مسجده).

وقال في معجم شيوخه 1/73: (سئل أحمد بن حنبل عن مس القبر النبوي وتقبيله، فلم ير بذلك بأسا! ... فإن قيل: فهلا فعل ذلك الصحابة؟ قيل: لأنهم عاينوه حيا وتملوا به وقبلوا يده وكادوا يقتتلون على وضوئه واقتسموا شعره المطهر يوم الحج الأكبر، وكان إذا تنخم لا تكاد نخامته تقع إلا في يد رجل فيدلك بها وجهه، ونحن فلما لم يصح لنا مثل هذا النصيب الأوفر ترامينا على قبره بالالتزام والتبجيل والاستلام والتقبيل ... وهذه الأمور لا يحركها من المسلم إلا فرط حبه للنبي صلى الله عليه وسلم ... ألا ترى الصحابة في فرط حبهم للنبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: ألا نسجد لك؟ فقال: «لا» فلو أذن لهم لسجدوا له سجود إجلال وتوقير، لا سجود عبادة .. وكذلك القول في سجود المسلم لقبر النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل التعظيم والتبجيل لا يكفر به أصلا، بل يكون عاصيا فليعرف أن هذا منهي عنه، وكذلك الصلاة إلى القبر).

قلت: ما نقله عن الإمام أحمد من جواز مس وتقبيل قبر النبي صلى الله عليه وسلم غير صحيح عنه وقد توارد على مثل هذا النقل غير واحد ممن يجيز شد الرحال إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم والتبرك بالقبور وأهل العلم يردون هذا النقل ويضعفونه.
ومن ذلك قال الشيخ سليمان بن حمدان رحمه الله في تعقبه على ابن حجر العسقلاني في نقله عن الإمام أحمد جواز تقبيل المنبر والقبر فقال:
(أما ما نقله عن الإمام أحمد رحمه الله من أنه لم ير باساً بتقبيل منبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبره فهذا لا صحة له بل هذا مما يقطع بكذبه لأنه رحمه الله كان شديد التحري في الاتباع والبعد عن الابتداع ولكن لجلالته وإمامته في الدين وكونه مرضي عند الموافق والمخالف وحجة فيما يفعله لسعة اطلاعه واتباعه للسنن وكثيراً ما يروج بعض المبتدعين بدعهم بنسبتها إليه أو لغيره من الأئمة المقتدى بهم).

قلت: وفي كلام الذهبي هذا كثير من المخالفات لعقيدة أهل السنة والجماعة وهذه من المسائل التي نص الذهبي على أنه يخالف فيها شيخ الإسلام ابن تيمية! فقال في ترجمته لابن تيمية: (مع أني مخالف له في مسائل أصلية وفرعية!) فهذه بعض مسائل الأصول التي خالفه فيها وكذلك ما سيأتي.

قال ابن تيمية في جامع المسائل (المجموعة الثالثة/ ص45) :
(وكذلك التمسح بالقبور - كاستلامها باليد وتقبيلها بالفم- منهي عنه باتفاق المسلمين، حتى إنهم قالوا فيمن زار قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -: إنه لا يستلمه بيده ولا يقبله بفمه).
وانظر مجموع الفتاوى 27/136.

وقال في اقتضاء الصراط المستقيم 2/270: (ولم يرخصوا في التمسح بقبره).

2- قول الذهبي: إن الدعاء عند قبور الأولياء والصالحين مستجاب!
-فقال في السير 9/343 معلقاً على قول بعضهم: (قبر معروف [يعني الكرخي] الترياق المجرب). قال: (يريد إجابة دعاء المضطر عنده لأن البقاع المباركة يستجاب عندها الدعاء ..).
-وقال في ترجمة نفيسة بنت الحسن 10/107: (والدعاء مستجاب عند قبرها بل وعند قبور الأنبياء والصالحين وفي المساجد وعرفة ومزدلفة وفي السفر المباح وفي الصلاة ..). إلخ.
-وقال في 17/77: (والدعاء مستجاب عند قبور الأنبياء والأولياء وفي سائر البقاع ..).
-وفي ترجمة ابن فورك الأشعري 17/215 قال: (قال عبد الغافر في "سياق التاريخ": الأستاذ أبو بكر قبره بالحيرة يستسقى به).
قلت: هذا من الشرك ولم يتعقبه بشيء!

3- تعقبه لكبار أئمة السلف وأهل السنة فيما اتفقوا على القول به والإنكار على من خالفهم فيها ومن أمثلة ذلك:
أ) إنكاره عليهم زيادة لفظة (بذاته) في النزول والمجيء وغيرها.
قال 20/331: (وكذا قوله: {وجاء ربك} [الفجر: 22] ، ونحوه، فنقول: جاء، وينزل وننهى عن القول: ينزل بذاته، كما لا نقول: ينزل بعلمه، بل نسكت، ولا نتفاصح على الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعبارات مبتدعة).
وقد تقدم (ص121) كلام الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ رحمه الله في هذه المسألة.

ب) إنكاره على أئمة أهل السنة إثباتهم الحد لله تعالى واعتبار ذلك من فضول الكلام المنهي عنه وأن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.
فقال 20/86: (الصواب الكف عن إطلاق ذلك إذ لم يأت فيه نص ولو فرضنا أن المعنى صحيح ..). وانظر 16/87.
قلت بل الصواب فيه مع أئمة أهل السنة وقد ذكرتهم بأسمائهم (ص121,122).

4-لينه مع أهل البدع في تراجمه لهم. ومن ذلك:
أ) قال 8/301 في ترجمة عبد الوارث بن سعيد: (وكان عالماً مجوداً من فصحاء أهل زمانه ومن أهل الدين والورع إلا أنه قدري مبتدع!)

ب) في ترجمة عمرو بن عبيد القدري الذي لعنه الإمام مالك رحمه الله وكفره الإمام أحمد رحمه الله وغيره من أئمة السنة قال 6/104: (الزاهد العابد القدري).

جـ) وقال في 15/576: ابن أبي دارم الإمام الحافظ الفاضل التميمي الكوفي الشيعي! ... كان موصوفاً بالحفظ والمعرفة إلا أنه يترفض قد ألف في الحط على بعض الصحابة! وهو مع ذلك ليس بثقة في النقل!)
قلت: ومع ذلك وصفه بالإمامة والفضل والمعرفة!

د) قال في 17/588 في ترجمة علي بن حسين بن موسى: (العلامة الشريف المرتضى نقيب العلوية ... وكان من الأذكياء الأولياء المتبحرين في الكلام والاعتزال والأدب والشعر لكنه إمامي جلد - نسأل الله العفو).
قلت: ومع ذلك وصفه بأنه من الأولياء الأذكياء.

ه) وقال في 21/160 وهو يتكلم عن عن صاحب الطريقة الرفاعية: (الرفاعي الإمام القدوة العابد الزاهد شيخ العارفين!!)

و) وقال في 19/539: (ابن تومرت الشيخ الإمام الفقيه الأصولي الزاهد، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن تومرت البربري، المصمودي ، الهرغي، الخارج بالمغرب، المدعي أنه علوي حسني، وأنه الإمام المعصوم المهدي ... ذا هيبة ووقار، وجلالة ومعاملة وتأله، انتفع به خلق، واهتدوا في الجملة، وملكوا المدائن، وقهروا الملوك ..).
قلت: أطال في ترجمته وذكر فيها كثيراً من مخازيه التي تتنافى أن يصفه معها بأنه: (الشيخ) (الإمام) (الزاهد) (ذا هيبة وتأله انتفع به خلق)! إلى آخر تلك المدائح.

ثم قارن بين هذه الترجمة وبين ترجمة ابن القيم لهذا الرجل حتى ترى الفارق.
قال ابن القيم رحمه الله في المنار المنيف ص153:
(أما مهدي المغاربة محمد بن تومرت فإنه رجل كذاب ظالم متغلب بالباطل ملك بالظلم والتغلب والتحيل فقتل النفوس وأباح حريم المسلمين وسبى ذراريهم وأخذ أموالهم وكان شرا على الملة من الحجاج بن يوسف بكثير.
وكان يودع بطن الأرض في القبور جماعة من أصحابه أحياء يأمرهم أن يقولوا للناس إنه المهدي الذي بشر به النبي صلى الله عليه وسلم ثم يردم عليهم ليلا لئلا يكذبوه بعد ذلك وسمي أصحابه الجهمية الموحدين نفاة صفات الرب وكلامه وعلوه على خلقه واستوائه على عرشه ورؤية المؤمنين له بالأبصار يوم القيامة واستباح قتل من خالفهم من أهل العلم والإيمان وتسمى بالمهدي المعصوم).

ز) وقال في 19/322: (الغزالي الشيخ الإمام البحر حجة الإسلام أعجوبة الزمان ..) ثم قال بعد هذا الثناء العاطر: (... لم يكن له علم بالآثار ولا خبرة بالسنن النبوية القاضية على العقل! وحبب إليه إدمان النظر في كتاب: "رسائل إخوان الصفا"! وهو داء عضال وجرب مرد وسم قتال ولولا أن أبا حامد من كبار الأذذكياء وخيار المخلصين لتلف!!).
ثم سرد كثيراً من أقواله الكفرية التي أخذت عليه ثم قال الذهبي: (الغزالي إمام كبير وما من شرط العالم أنه لا يخطئ)!
قلت: وهل من شرط العالم أن لا يكفر ولا يبتدع ولو وقع في الكفر والبدعة فمن أين له هذه العصمة؟ وانظر إلى موقف السلف من أئمة أهل البدع الذين كفروهم وبدعوهم تجد كثيراً منهم قد كانوا من أهل العلم ولكنهم لما خالفوا السنة والاعتقاد سقطوا ولم يبالوا بهم.

والأعجب من هذا كله: أن يعده من المجددين للدين في القرن الخامس الهجري! كما في السير 14/203 فهل يكون من المجددين مع قوله فيه: (لم يكن له علم بالآثار ولا خبرة بالسنن النبوية وحبب إليه إدمان النظر في كتاب: "رسائل إخوان الصفا" .. إلخ).

قلت: قد كان ابن تيمية يعد الغزالي في كثير من كتبه جاهلاً بآثار السلف ليس له معرفة ولا تمييز بين الحديث الصحيح من الحديث الواهي المكذوب وكتب الغزالي أصدق شاهد على ذلك فإن فيها العجائب وهو يعد في علم حديث النبي صلى الله عليه وسلم من العوام.
انظر "مجموع الفتاوى" 4/71 وانظر في هذا الكتاب (ص176 و245 و298).

وقد تعقب الشيخ سليمان بن حمدان السيوطي في جعله للغزالي مجدداً فقال: (وقد خلط السيوطي في نظمه على عادته في التخليط في كلامه فإن بعض من ذكرهم قد أحدثوا في الدين أصولاً مبتدعة تنافي الدين فضلاً عن أن يكونوا مجددين .. فالغزالي خاض مع الفلاسفة وألف كتابه: "تهافت الفلاسفة" في الرد عليهم  ولكنه وقع فيما وقعوا فيه فلا للإسلام نصر ولا لأعدائه كسر). [ملاحظاتي حال مطالعاتي ص46].

وقال الذهبي عن "الإحياء": (أما الإحياء ففيه من الأحاديث الباطلة جملة وفيه خير كثير لولا ما فيه من آداب ورسوم وزهد من طرائق الحكماء ومنحرفي الصوفية نسأل الله علماً نافعاً).

قلت: قارن بين قوله: (فيه خير كثير) وبين قول الطرطوشي: (شحن أبو حامد الإحياء بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا أعلم كتاباً على بسيط الأرض أكثر كذباً منه ثم شبكه بمذاهب الفلاسفة ومعاني "رسائل إخوان الصفا" وهم قوم يرون النبوة مكتسبة وزعموا أن المعجزات حيل ومخاريق ...).
ثم ذهب الطرطوشي إلى القول بإحراق كتاب "الإحياء" حتى لا يتأثر أحد بسمومه ولا يعتقد أحد صحة ما فيه من الضلال. انظر السير 19/334.
وقال عياض: ( .. ونفذ أمر السلطان عندنا بالمغرب وفتوى الفقهاء بإحراقها والبعد عنها فامتثل ذلك ..). السير 19/327.
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن فيمن قرأ على الناس كتاب "الإحياء":
( .. وأسمعتهم ما في "الإحياء" من التحريفات الجائرة والتأويلات الضالة الخاسرة والشقاشق التي اشتملت على الداء الدفين والفلسفة في أصل الدين .. وقد سلك في الإحياء طريق الفلاسفة والمتكلمين في كثير من مباحث الإلهيات وأصول الدين وكسا الفلسفة لحاء الشريعة .. بل أفتى بتحريقها علماء المغرب ممن عرف بالسنة وسماها كثير منهم: إماتة علوم الدين ..). إلخ.

حـ) وقال 15/426: (الكرخي الشيخ الإمام الزاهد مفتي العراق شيخ الحنفية! وكان من العلماء العباد .. ووقع في النفوس ومن كبار تلامذته أبو بكر الرازي! وكان رأساً في الاعتزال الله يسامحه!).

ط) وقال في 20/151: (الزمخشري العلامة كبير المعتزلة .. وكان داعية إلى الاعتزال الله يسامحه).
قلت: كذا وصفه بالعلامة ثم دعا الله بأن يسامحه على اعتزاله وتعديه على الله تعالى بإنكار صفاته والقول بخلق القرآن وغيرها من ضلالاته.
ثم قارن بين هذا الدعاء وبين قوله في أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه:
قال: في 3/133: (غيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خيراً منه بكثير  وأفضل وأصلح فهذا الرجل ساد وساس العالم بكمال عقله .. وله هنات وأمور والله الموعد)!
وليته تلطف مع هذا الصحابي الجليل وقال: (الله يسامحه) كما قال في الزمخشري إمام المعتزلة!

ي) وقال 18/176: (ثابت بن أسلم العلامة أبو الحسن الحلبي فقيه الشيعة ... فرحم الله هذا المبتدع! الذي ذب عن الملة والأمر لله).

قال ابن تيمية في "المنهاج" 2/93: (وهذه كتب المسلمين التي ذكر فيها زهاد الأمة ليس فيهم رافضي وهؤلاء المعروفون في الأمة بقول الحق وأنه لا تأخذهم في الله لومة لائم ليس فيهم رافضي كيف والرافضي من جنس المنافقين مذهبه التقية).

قلت: ولم يرض السبكي الأشعري هذا المنهج من شيخه الذهبي في جمعه بين من رماهم بالبدعة بأنه صاحب دين وورع! كما في ترجمة ابن فورك الأشعري في "طبقات الشافعية" 4/133 فقد قال: (قال شيخنا الذهبي: كان ابن فورك رجلاً صالحا. ثم قال: وكان مع دينه صاحب فلتة وبدعة.
قال السبكي: وأما قول الذهبي: (إنه مع دينه صاحب فلتة وبدعة) فكلام متهافت فإنه يشهد بالصلاح والدين لمن يُقضى عليه بالبدعة! ثم ليت شعري ما الذي يعني بالفلتة؟ إن كانت قيامه في الحق كما نعتقد نحن فيه فتلك من الدين وإن كانت في الباطل فهي تنافي الدين).

قلت: ومع مدحه لأئمة أهل البدع كان يغمز أئمة أهل السنة في شدتهم لمن وقع ببدعة.
ففي ترجمة علي بن الجعد 10/465: (قال العقيلي: قلت لعبد الله بن أحمد: لِمَ لَمْ تكتب عن علي بن الجعد؟ قال: نهاني أبي أن أذهب إليه وكان يبلغه عنه أنه يتناول الصحابة.
وقال فيه مسلم: هو ثقة لكنه جهمي.
وقلت: ولهذا منع أحمد بن حنبل ولديه من السماع منه.
وقد كان طائفة من المحدثين يتنطعون في من له هفوة صغيرة تخالف السنة وإلا فعلي إمام كبير حجة).

قلت: فهل من وصف بالجهمية أو بالطعن في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال فيه: (له هفوة صغيرة)؟! بل ويوصف من حذر من الأخذ عنه بأنه متنطع!
قلت: ولم يقتصر الأمر على الثناء على أئمة أهل البدع والدعاة منهم بل تعدى إلى الثناء على أهل الغناء والرقص.

ك) فقال 10/187 في ترجمة علية بنت المهدي وأخت الرشيد .. العباسية أديبة شاعرة عارفة بالغناء والموسيقى! رخيمة الصوت! ذات عفة! وتقوى! ومناقب).
قلت: كيف تجتمع التقوى والعفة مع الغناء والموسيقى؟!

5- التوسع في اعتبار كثير من طعون أهل السنة في مخالفيهم في الاعتقاد أنه من باب الطعن في الأقران الذي يطوى ولا يقرأ.
ومن أمثلة ذلك:
- طعن الإمام أحمد في هشام بن عمار لما تكلم في مسألة اللفظ وقال: (لفظ جبريل ومحمد بالقرآن مخلوق). فقال أحمد: (أعرفه طياشاً قاتله الله .. وقال: هذا قد تجهم).
وأنكر عليه الإمام أحمد رحمه الله قوله كذلك: (الحمد لله الذي تجلى لخلقه بخلقه). فقال: هذا جهمي, الله تجلى للجبال وهو يقول تجلى لخلقه بخلقه! إن صلوا خلفه فليعيدوا الصلاة).

فقال الذهبي في الميزان 4/304 معلقاً على ما وقع بين الإمام أحمد وهشام بن عمار: (وما زال العلماء الأقران يتكلم بعضهم في بعض بحسب اجتهادهم وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم).

- ومن ذلك قوله كذلك 17/462: (وقد كان أبو عبد الله بن منده يقذع في المقال في أبي نعيم لمكان الاعتقاد المتنازع فيه بين الحنابلة وأصحاب ابي الحسن [يعني الأشعري] ونال أبو نعيم أيضاً من أبي عبد الله في تاريخه وقد عرف وهن كلام الأقران المتنافسين بعضهم في بعض).

وعلى ذلك سار في كثير من تراجم أهل البدع الذين تكلم فيهم أهل السنة من أجل بدعهم الاعتقادية فاعتبره من كلام الأقران الذي يطوى ولا يقرأ!

6- تهوينه من شأن الإرجاء والمرجئة واعتبار الخلاف بينهم وبين أهل السنة خلافاً لفظياً فقط!
فقال 5/233: (إرجاء الفقهاء وهو أنهم لا يعدون الصلاة والزكاة من الإيمان ويقولون الإيمان الإقرار باللسان ويقين في القلب والنزاع على هذا لفظي إن شاء الله).

قال الشيخ ابن باز رحمه الله في تعليقه على "شرح الطحاوية": (وإخراج العمل من الإيمان هو قول المرجئة وليس الخلاف بينهم وبين أهل السنة فيه لفظياً بل هو لفظي ومعنوي ويترتب عليه أحكام كثيرة يعلمها من تدبر كلام أهل السنة وكلام المرجئة والله المستعان).

ومن تهوينه كذلك من بدعة الإرجاء والمرجئة: مطالبته بترك التحامل على المرجئة وترك تبديعهم والتحذير منهم لأن بعض من انتسب إلى العلم كان منهم فهو يقول معلقاً على قول السليماني: (كان من المرجئة: مسعر وحماد بن أبي سليمان والنعمان وعمرو بن مرة وعبد العزيز بن أبي رواد وأبو معاوية وعمرو بن ذر .. وسرد جماعة).
قال الذهبي في الميزان 4/99: ولا عبرة بقول السليماني ... ثم ذكره وقال: (الإرجاء مذهب لعدة من جلة العلماء لا ينبغي التحامل على قائله)!
قلت: كيف وقد أجمع السلف على ذم الإرجاء والمرجئة وحذروا منهم ومن مجالستهم واعتبروا الإرجاء بدعة من أصول البدع والتي هي: (الإرجاء والخروج والقدر والشيعة).

قال الآجري في "الشريعة" 2/676: (باب في المرجئة وسوء مذاهبهم عند العلماء).
وذكر فيه إجماع السلف على ذمهم ومن ذلك قول الزهري: ما ابتدعت في الإسلام بدعة أضر على أهله من هذه يعني: الإرجاء.
وقول النخعي: المرجئة أخوف عندي على الإسلام من عدتهم من الأزارقة يعني: الخوارج.
وقد عقد أئمة أهل السنة في مصنفاتهم في الاعتقاد الأبواب الكثيرة في ذم الإرجاء والتحذير منه ومن أئمتهم.

قال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" 7/507 وهو يتكلم عن أئمة المرجئة: (السلف والأئمة اشتد إنكارهم على هؤلاء وتبديعهم وتغليظ القول فيهم).

قلت: هذه التنبيهات على بعض ما في "سير أعلام النبلاء"! وغيرها من مصنفات الذهبي من الأخطاء التي نبه عليها أهل العلم ومن هذه الأخطاء وغيرها يتبين سبب قول الشيخ ابن باز رحمه الله لما سئل عنه فقال فيه: (الذهبي ليس من أهل الفقه الذهبي ما هو من أهل البصيرة الذهبي عالم من علماء الوسط يعتني بمصطلح الحديث). [شريط "الدمعة البازية" آخر الوجه الثاني].
وهناك الكثير من أقوال الذهبي تحتاج على بسط وتعليق ليس هاهنا مكان بسطها والله أعلم.
[منقول من كتاب الاحتجاج بالآثار السلفية ص306-313]