السبت، 23 يناير 2016

[تزويج الصغيرة]

[تزويج الصغيرة]

قال البخاري في صحيحه:

5065 - حدثنا عمر بن حفص، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، قال: حدثني إبراهيم، عن علقمة، قال: كنت مع عبد الله، فلقيه عثمان بمنى، فقال: يا أبا عبد الرحمن إن لي إليك حاجة فخلوا، فقال عثمان: هل لك يا أبا عبد الرحمن في أن نزوجك بكرًا، تذكرك ما كنت تعهد؟ فلما رأى عبد الله أن ليس له حاجة إلى هذا أشار إلي، فقال: يا علقمة، فانتهيت إليه وهو يقول: أما لئن قلت ذلك، لقد قال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء».

ورواه مسلم في صحيحه (1400) من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: كنت أمشي مع عبد الله بمنى، فلقيه عثمان، فقام معه يحدثه، فقال له عثمان: يا أبا عبد الرحمن، ألا نزوجك جارية شابة، لعلها تذكرك بعض ما مضى من زمانك، قال: فقال عبد الله: لئن قلت ذاك، لقد قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ... فذكر الحديث.

عبدالله هو ابن مسعود رضي الله عنه. وهذه الحادثة كانت في خلافة عثمان رضي الله عنه كما عند الطيالسي في مسنده (270) , وخلافة عثمان كانت بين سنة 23 و 35 للهجرة , وابن مسعود رضي الله عنه مات في خلافة عثمان عام 33 وله 63 سنة. فيكون عمره في أول خلافة عثمان 53 سنة تقريبًا.

وقال سعيد بن منصور في سننه:

520 - حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أن عمر خطب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه ابنته أم كلثوم، فقال علي: إنما حبست بناتي على بني جعفر. فقال: أنكحنيها، فوالله ما على الأرض رجل أرصد من حسن عشرتها ما أرصدت. فقال علي رضي الله عنه: قد أنكحتكها. فجاء عمر إلى مجلس المهاجرين بين القبر والمنبر، وكان المهاجرون يجلسون ثم، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وعثمان، وطلحة، وسعد، فإذا كان العشي يأتي عمر الأمر من الآفاق ويقضي فيه، جاءهم وأخبرهم ذلك، واستشارهم كلهم، فقال: رفئوني. قالوا: بم يا أمير المؤمنين؟ قال: بابنة علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ثم أنشأ يحدثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل نسب وسبب منقطع يوم القيامة، إلا نسبي وسببي» . كنت قد صحبته فأحببت أن يكون لي أيضا.

وقال عبد الرزاق في المصنف:

10351 - عن معمر، عن أيوب، وغيره، عن عكرمة: «أن علي بن أبي طالب أنكح ابنته جارية تلعب مع الجواري عمر بن الخطاب».

وقال سعيد بن منصور:

باب تزويج الجارية الصغيرة

636 - حدثنا هشيم، قال: نا سيار، عن الشعبي، أن رجلا كان في سفر فقال لأصحابه: أيكم يذبح لنا شاة وأزوجه أول بنت تولد لي، ففعل ذلك رجل من القوم، فذبح لهم شاة، فولد للرجل ابنة، فأتاه فقال: امرأتي فأتوا ابن مسعود رحمه الله، فقال ابن مسعود: «وجب النكاح بالشاة، ولها صداق مثلها، لا وكس ولا شطط».

637 - حدثنا هشيم، قال: أنا مغيرة، عن إبراهيم، عن عبد الله، بنحو من ذلك.

638 - حدثنا خالد، عن مغيرة، عن إبراهيم، أن قوما كانوا في سفر فقال رجل من القوم: من يذبح الشاة للقوم؟ وله ابنتي، أو قال: ابنة تولد لي، فذبح رجل منهم، فلما ولد له ذكر ذلك لعبد الله رحمه الله فقال: «قد ملكت المرأة وليس هذا بصداق».

639 - حدثنا أبو معاوية، نا هشام بن عروة، عن أبيه، قال: دخل الزبير بن العوام على قدامة بن مظعون يعوده فبشر زبير بجارية، وهو عنده، فقال له قدامة: " زوجنيها، فقال له الزبير بن العوام: ما تصنع بجارية صغيرة وأنت على هذه الحال؟ قال: بلى إن عشت فابنة الزبير، وإن مت فأحب من ورثني قال: فزوجها إياه.

640 - حدثنا سفيان، عن أيوب بن موسى، عن ابن قسيط، قال بشر رجل بجارية فقال رجل: هبها لي، فقال: هي لك فسئل سعيد بن المسيب عن ذلك، فقال: «لا تحل الهبة لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أصدقها سوطًا حلت له».

وقال الشافعي رحمه الله: وزوج الزبير رضي الله عنه ابنته صبية، وزوج غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ابنته صغيرة. السنن الكبرى (7/185).

وقال ابن المنذر في الإشراف على مذاهب العلماء (5/19) :

باب نكاح الأب بنته الصغيرة البكر

ثبت أن أبا بكر زوج عائشة من رسول الله- صلى الله عليه وسلم - وهي إذ ذاك بنت سبع سنين.
وأجمع أهل العلم على أن نكاح الأب ابنته البكر الصغيرة جائز، إذ زوجها من كفؤ، هذا قول مالك، والثوري، والليث بن سعد، والأوزاعي، وعبيد الله بن الحسن، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وحجتهم في ذلك حديث عائشة. وبه نقول.

وأما ما رواه النسائي في المجتبى:
3221 - أخبرنا الحسين بن حريث، قال: حدثنا الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: خطب أبو بكر، وعمر رضي الله عنهما فاطمة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنها صغيرة» فخطبها علي، فزوجها منه.

ففي سنده الحسين بن واقد وثقه بعضهم لكن تُكلم فيه:

كان ابن المبارك يثني عليه.
وقال ابن مَعِين: ثقة .
وَقَال أبو زُرْعَة والنَّسَائي: ليس بِهِ بأس.
وقال أحمد في رواية الأثرم: لا بأس به وأثنى عليه خيرًا.

وضعفه في مواضع:
قال أحمد: ليس بذاك. وقال: له أشياء مناكير.
وقال: وأحاديث حسين ما أرى أي شيء هي، ونفض يده.

وقد تكلم الإمام أحمد في رواية الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة خاصة:
قال: ما أنكر حديث حسين بن واقد، وأبي المنيب، عن ابن بريدة.
وقال: عبد الله بن بريدة، الذي روى عنه حسين بن واقد، ما أنكرها، وأبو المنيب أيضًا يقولون، كأنها من قبل هؤلاء.

انظر التهذيب وحواشيه ترجمة (1346). وموسوعة أقوال أحمد في الرجال ترجمة (566). وكذلك انظر ترجمة عبد الله بن بريدة في التهذيب (3179).

وخالفه ابن معين: قال ابن الجنيد: (451) قلت ليحيى بن معين: الأحاديث التي رواها الحسين ابن واقد، عن ابن بريدة، عن أبيه، هي صحاح؟ قال: «ليس به بأس ثقة» ، يعني: الحسين بن واقد.

قال ابن سعد في الطبقات (8/19) :
أخبرنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا المنذر بن ثعلبة عن علباء بن أحمر اليشكري، أن أبا بكر خطب فاطمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أبا بكر انتظر بها القضاء» فذكر ذلك أبو بكر لعمر فقال له عمر ردك يا أبا بكر ثم إن أبا بكر قال لعمر: اخطب فاطمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فخطبها فقال له مثل ما قال لأبي بكر: «انتظر بها القضاء» فجاء عمر إلى أبي بكر فأخبره فقال له: ردك يا عمر ثم إن أهل علي قالوا لعلي: اخطب فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بعد أبي بكر وعمر ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ فذكروا له قرابته من النبي صلى الله عليه وسلم فخطبها فزوجه النبي صلى الله عليه وسلم فباع علي بعيرا له وبعض متاعه فبلغ أربعمائة وثمانين فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «اجعل ثلثين في الطيب وثلثا في المتاع».

وهذا خبر مرسل جيد رجاله ثقات وعلباء تابعي ثقة حدث عن أبي زيد عمرو بن أخطب رضي الله عنه. وليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم رد تزويج فاطمة لأنها صغيرة بل لأنه ينتظر بها القضاء.

وعلى فرض صحة حديث بريدة فقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما: «إنها صغيرة» , لا يخدم قول من يقول بأنه: (لا ينبغي أن يزوج الرجل ابنته الصغيرة ولو كانت بالغة من رجل يكبرها في السن كثيرًا، بل ينبغي أن يلاحظ تقاربهما في السن). فلم يقل في الحديث : إنها تصغركما أو إنكما تكبرانها والخبر يحتمل غير ما ذكر فيه. وعامة من روى الخبر –إلا النسائي- أورده في مناقب علي رضي الله عنه ولم ينتزع منه هذا الحكم. والله أعلم. والنسائي رحمه الله مسبوق بفعل الصحابة كعمر وعثمان وعلي بن أبي طالب وابن مسعود والزبير وقدامة رضوان الله عليهم جميعًا كما تقدم.

ولا يفهم مما سبق التشجيع على الزواج من الصغيرة وترك الزواج من الكبيرة فقد يعرض للمفضول ما يجعله فاضلًا فالكبيرة قد تكون فاضلة لتدينها أو لعقلها أو لغير ذلك وفي هذا المعنى ما جاء في الصحيح لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم جابرًا قال: تزوجت؟ قال: نعم، قال: بكرًا أم ثيبًا؟ قال: بل ثيبًا، قال: أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك؟ قال: إن لي أخوات، فأحببت أن أتزوج امرأة تجمعهن، وتمشطهن، وتقوم عليهن.


وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الأربعاء، 30 ديسمبر 2015

[إكراه الأولاد على طلب الحديث]

[إكراه الأولاد على طلب الحديث]

عن عكرمة، قال: كان ابن عباس رضي الله عنهما، «يضع في رجلي الكبل، ويعلمني القرآن والسنن».

[مسند الدارمي 572]

وعن عبد الله بن داود، قال: سمعت الثوري، يقول: ينبغي للرجل أن يكره ولده على طلب الحديث فإنه مسئول عنه.

[الحلية 6/365]

ورواه الخطيب من قول عبد الله بن داود، وزاد فيه , ليس الدين بالكلام وإنما الدين بالآثار , وقال: في الحديث عمن أراد به الدنيا الدنيا، وعمن أراد به الآخرة آخرة.

[شرف أصحاب الحديث 66]


وقال ابن بطوطة:

ذكر ما استحسنته من أفعال السودان وما استقبحته منها.

ومنها عنايتهم بحفظ القرآن العظيم وهم يجعلون لأولادهم القيود إذا ظهر في حقهم التقصير في حفظه، فلا تفك عنهم حتى يحفظوه! ولقد دخلت على القاضي يوم العيد وأولاده مقيّدون، فقلت له: ألا تسرحهم؟ فقال: لا أفعل حتى يحفظوا القرآن! ومررت يوما بشاب منهم حسن الصورة عليه ثياب فاخرة وفي رجله قيد ثقيل، فقلت لمن كان معي: ما فعل هذا؟ أقتل؟ ففهم عني الشاب وضحك وقيل لي:
إنما قيد حتى يحفظ القرآن!

[رحلته 4/265]



[من كتاب الجامع في أحكام وآداب الصبيان]

[أمهات يرغبن أبناءهن على طلب العلم]

[أمهات يرغبن أبناءهن على طلب العلم]

عن حمزة الأعمى، قال: ذهبت بي أمي إلى الحسن، فقالت: يا أبا سعيد، ابني هذا قد أحببت أن يلزمك، فلعل الله أن ينفعه بك، قال: فكنت أختلف إليه، فقال لي يوما: يا بني آدم الحزن على خير الآخرة، لعله أن يوصلك إليه، وابك في ساعات الخلوة لعل مولاك يطلع عليك فيرحم عبرتك، فتكون من الفائزين، قال: وكنت أدخل عليه منزله وهو يبكي، وآتيه مع الناس وهو يبكي، وربما جئت وهو يصلي، فأسمع بكاءه ونحيبه، قال: فقلت له يوما: يا أبا سعيد، إنك لتكثر من البكاء.
قال: فبكى، ثم قال: يا بني، فما يصنع المؤمن إذا لم يبك، يا بني، إن البكاء داع إلى الرحمة فإن استطعت أن لا تكون عمرك إلا باكيا فافعل، لعله يراك على حالة فيرحمك بها، فإذا أنتقد نجوت من النار.

[تهذيب الكمال 6/115]

وعن  أبي بكر بن عياش قال: قال لي سفيان التمار: أتتني أم الأعمش بالأعمش، فأسلمته إلي، وهو غلام. فذكرت ذلك للأعمش، فقال: «ويل أمه، ما أكبره».

[الجعديات 782]

وعن وكيع بْن الجراح قال: قَالَتْ أم سُفْيَان الثَّوْرِي لسفيان: يا بَنِي اطلب العلم وأنا أكفيك من مغزلي يا بَنِي إِذَا كتبت عشرة أحاديث فانظر هل ترى فِي نفسك زيادة فِي مشيتك وحلمك ووقارك فَإِن لَمْ تر ذَلِكَ فاعلم أَنَّهُ لا يضرك ولا ينفعك.

[تاريخ جرجان 997]

وعن مطرف، قال: سمعت مالك بن أنس يقول: قلت لأمي: أذهب فأكتب العلم فقالت لي أمي: تعال فالبس ثياب العلماء، ثم اذهب فاكتب قال: فأخذتني فألبستني ثيابا مشمرة، ووضعت الطويلة على رأسي وعممتني فوقها، ثم قالت: اذهب الآن فاكتب.

[المحدث الفاصل ص201]

وقال العيشي: قال لي عبد الوارث بن سعيد:
أتتني علية بابنها، فقالت: هذا ابني، يكون معك، ويأخذ بأخلاقك.
قال: وكان من أجمل غلام بالبصرة.

[السير 9/115]

وقال أبو إسحاق الحربي: وكان محمد بن عبد الرحمن الأوقص عنقه داخلا في بدنه , وكان منكباه خارجين كأنهما زُجان , فقالت له أمه: يا بني لا تكون في قوم , إلا كنت المضحوك منه المسخور به , فعليك بطلب العلم , فإنه يرفعك قال: فطلب العلم.

وعن محمد بن القاسم بن خلاد , قال: كان الأوقص قصيرًا دميمًا قبيحًا قال: فقالت لي أمي وكانت عاقلة: يا بني إنك خلقت خلقة , لا تصلح معها لمعاشرة الفتيان , فعليك بالدين , فإنه يتم النقيصة , ويرفع الخسيسة , فنفعني الله بقولها , فتعلمت الفقه , فصرت قاضيًا.

[الفقيه والمتفقه للخطيب ص140-141]

وعبد الله بن أحمد بن حفصة قال: نزلنا بمكة دارا، وكان فيها شيخ يكنى بأبي بكر بن سماعة، وكان من أهل مكة، قال: نزل علينا أبو عبد الله (يعني أحمد بن حنبل) في هذه الدار، وأنا غلام، فقال: فقالت لي أمي: الزم هذا الرجل فاخدمه، فإنه رجل صالح. فكنت أخدمه، وكان يخرج يطلب الحديث، فسرق متاعه وقماشه، فجاء، فقالت له أمي: دخل عليك السراق، فسرقوا قماشك، فقال: ما فعلت بالألواح؟ فقالت له أمي: في الطاق. وما سأل عن شيء غيرها.

[الحلية 9/179]



[من كتاب الجامع في أحكام وآداب الصبيان]

[مكافأة الصبي على حفظ العلم والتفقه فيه]

[مكافأة الصبي على حفظ العلم والتفقه فيه]

عن النضر بن الحارث، قال: سمعت إبراهيم بن أدهم، يقول: قال لي أبي: يا بني، اطلب الحديث، فكلما سمعتَ حديثًا، وحفظتَه، فلك درهم فطلبتُ الحديث على هذا.

«شرف أصحاب الحديث» ص66 باب: من تألف ولده على سماع الحديث.

وعن الحميدي، قال: ربما ألقى الشافعي عليّ وعلى ابنه عثمان المسألة فيقول: أيكم أصاب فله دينار.

«الحلية» (9/119).
وعن أبي بكر بن دريد، قال: كان أبو عثمان الأشنانداني معلمي، وكان عمي الحسين بن دريد يتولى تربيتي، فإذا أراد الأكل استدعى أبا عثمان يأكل معه، فدخل عمي يوما وأبو عثمان المعلم يروِّيني قصيدة الحارث بن حلزة التي أولها: آذنتنا ببينها أسماء.
فقال لي عمي: إذا حفظت هذه القصيدة وهبتُ لك كذا وكذا.
ثم دعا بالمعلم ليأكل معه، فدخل إليه فأكلا وتحدثا بعد الأكل ساعة، فإلى أن رجع المعلم حفظتُ ديوان الحارث بن حلزة بأسره، فخرج المعلم فعرَّفتُه ذلك، فاستعظمه وأخذ يعتبره عليّ فوجدني قد حفظته، فدخل إلى عمي فأخبره، فأعطاني ما كان وعدني به.

«تاريخ بغداد» (ج2/تر570).

[من كتاب الجامع في أحكام وآداب الصبيان]


[مشروعية الوليمة إذا حَذق الصبي في الكُتَّاب أو حفظ القرآن]

[مشروعية الوليمة إذا حَذق الصبي في الكُتَّاب أو حفظ القرآن]

إذا حذق الصبي أي أصبح ماهرًا في تعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن صنعوا له وليمة شكرًا لله على توفيقه لهذا الصبي وسموها «وليمة الحذاقة» وهي من الولائم المشهورة المشروعة.

قال ابن أبي الدنيا في كتاب «النفقة على العيال» :
318 - حدثني بشر بن معاذ العقدي، حدثنا أبو عمارة الرازي، حدثنا يونس، قال: حذق ابن لعبد الله بن الحسن بن أبي الحسن فقال عبد الله: إن فلانًا قد حذق فقال الحسن: «كان الغلام إذا حذق قبل اليوم نحروا جزورًا وصنعوا طعامًا للناس».

وقال:
314 - حدثنا إسحاق بن إبراهيم الباهلي الصواف، حدثنا عبد الجبار أبو خبيب الكرابيسي، قال: كان معنا ابن لأيوب السختياني في الكُتَّاب فحذق الصبي فأتينا منزلهم فوضع له منبر فخطب عليه، ونهبوا علينا الجوز، وأيوب قائم على الباب يقول لنا: ادخلوا وهو خاص لنا.

النهب: الغنيمة ومعناه: أنهم نثروا عليهم الجوز غنيمة لهم.


وروى الدوري في «جزئه» عن أبي بكر الهذلي قال: سألت الحسن -يعني البصري- وعكرمة عن الصبي نبتت أسنانه فينثر عليه الجوز، فقالا: حلال.

وعن ابن سلمة عن حميد قال: كانوا يستحبون إذا جمع الصبي القرآن أن يذبح الرجل الشاة ويدعو أصحابه.

«فص الخواتم فيما قيل في الولائم» لابن طولون ص66.

وقال المرّوذي في كتاب «الورع» :
219 - سألت أبا عبد الله (أي الإمام أحمد بن حنبل) عن الجوز ينثر؟
فكرهه وقال: لا، يعطون، يقسم عليهم، يعني الصبيان، كما صنع ابن مسعود. هذا إسناده جيد عن ابن مسعود.

220 - دخلت على أبي عبد الله وقد حذق ابنه وقد اشترى جوزًا يريد أن يعدّه على الصبيان يقسمه عليهم، وكره النثر وقال هذه نهبة.

وقال أبو داود السجستاني في «مسائله» للإمام أحمد:
1348 - قلت لأحمد: ما تقول في نثار الجوز؟ قال: لا يعجبني، وذاك أنه يأخذ كل واحد منهم ما غلب عليه.

وقال ابن هانئ النيسابوري في «مسائله» :
1750 - سمعت أبا عبد الله يقول: لا يعجبني نهاب الجوز، وأن يؤكل منه، السكر كله كذلك.

وقال محمد بن علي بن بحر: سمعت حُسْن -أم ولد أحمد بن حنبل- تقول: لما حذق ابني حَسَن، قال لي مولاي: حسن، لا تنثري عليه. فاشترى تمرًا وجوزًا، فأرسله إلى المعلم، قالت: وعملت أنا عصيدة، وأطعمت الفقراء، فقال: أحسنت أحسنت. وفرق أبو عبد الله على الصبيان الجوز، لكل واحد خمسة خمسة.
«المغني» لابن قدامة (7/288).

[من كتاب الجامع في أحكام وآداب الصبيان بتصرف وإضافات]

الثلاثاء، 22 ديسمبر 2015

[في فضل الإنفاق على العيال]

[في فضل الإنفاق على العيال]

عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول». [صحيح البخاري 5356].

وعن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل دينار ينفقه الرجل، دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله».
قال أبو قلابة: وبدأ بالعيال، ثم قال أبو قلابة: وأي رجل أعظم أجرا، من رجل ينفق على عيال صغار، يعفهم أو ينفعهم الله به، ويغنيهم. [صحيح مسلم994]

وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دينار أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك». [صحيح مسلم 995].

وعن أبي مسعود البدري رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة، وهو يحتسبها، كانت له صدقة». [صحيح مسلم 1002].

وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله: لا يقع موقعَ الكسب على العيال شيءٌ، ولا الجهادُ في سبيل الله - عزَّ وجلَّ. [صفة الصفوة 4/ 375].

وقال الشعبي رحمه الله: ما ترك عبد مالًا هو فيه أعظم أجرًا، من مال يتركه لولده يتعفف به عن الناس. [الحلية 4/ 313].

وعن حماد قال: رأيت أيوب رحمه الله لا ينصرف من سوقه؛ إلا معه شيء يحمله لعياله، حتى رأيت قارورة الدهن بيده يحملها، فقلت له في ذلك. فقال: إني سمعت الحسن رحمه الله يقول: إن المؤمن أخذ عن الله - عزَّ وجلَّ - أدبًا حسنًا، فإذا أوسع عليه أوسع وإذا أمسك عليه أمسك. [الحلية 3/ 8].

وعن حماد بن زيد قال: قال لنا أيوب رحمه الله: لو احتاج أهلي إلى دستجة بقل لبدأت بها قبلكم. [الحلية 3/ 10].

وعن الحسن البصري رحمه الله قال: المقتر على عياله خائن. [النفقة على العيال لابن أبي الدنيا 366].

وقال أيضًا رحمه الله: ما يعلم أهل السماء وأهل الأرض ما يثيب اللهُ العبدَ على الشيء يُفرِّح به عياله وأهله وولده. [النفقة على العيال لابن أبي الدنيا 377].
      
وقيل للحسن رحمه الله: الرجل ينفق على أهله النفقة لو شاء اكتفى بدونها؟ فقال: أيها الرجل أوسع على نفسك كما وسَّع الله عليك. [النفقة على العيال لابن أبي الدنيا 376].

وعن مسلم قال: لقيني معاوية بن قرة رحمه الله وأنا جاءٍ من الكلأ، فقال: ما صنعت؟ قلت: استبرأت لأهلي كذا وكذا، قال: وأصبته من حلال؟ قال: قلت: نعم، قال: لَأن أغدو فيما غدوت فيه كل يوم: أحب إلي من أن أقوم الليل وأصوم النهار. [النفقة على العيال لابن أبي الدنيا 378].
      

وقيل للحسن رحمه الله: يا أبا سعيد أرأيت إن اشتريت لامرأتي عطرًا بعشرين درهمًا أسرف هو؟ قال: لا. [النفقة على العيال لابن أبي الدنيا 383].

الثلاثاء، 6 أكتوبر 2015

رفع الصوت في المساجد

قال البخاري في «صحيحه» :

باب رفع الصوت في المساجد

470 - حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا الجعيد بن عبد الرحمن، قال: حدثني يزيد بن خصيفة، عن السائب بن يزيد، قال: كنت قائما في المسجد فحصبني رجل، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب، فقال: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما، قال: من أنتما - أو من أين أنتما؟ - قالا: من أهل الطائف، قال: «لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم».

قال ابن رجب في الفتح (3/397) :

قد روي هذا عن عمر من وجه آخر:
خرجه الإسماعيلي في «مسند عمر» من طريق عبدة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، أن رجلًا من ثقيف أخبره، أن عمر بن الخطاب سمع ضحك رجل في المسجد، فأرسل إليه، فدعاه، فقال: ممن أنت؟ فقال: أنا رجل من أهل الطائف، فقال: أما إنك لو كنت من أهل البلد لنكلت بك، أن مسجدنا هذا لا يرفع فيه صوت.
وقد روي في حديث واثلة المرفوع: ((جنبوا مساجدكم خصوماتكم ورفع أصواتكم)) .
خرجه ابن ماجه بإسناد ضعيف جدا.
وروي عن ابن مسعود، أنه كان يكره أن ترفع الأصوات في المسجد. وقد سبق.

ورفع الأصوات في المسجد على وجهين:

أحدهما: أن يكون بذكر الله وقراءة القرآن والمواعظ وتعليم العلم وتعليمه، فما كان من ذلك لحاجة عموم أهل المسجد إليه، مثل الأذان والإقامة وقراءة الإمام في الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة، فهذا كله حسن مأمور به.
وقد كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا خطب علا صوته واشتد غضبه كأنه منذر جيش، يقول: ((صبحكم ومساكم)) ، وكان إذا قرأ في الصلاة بالناس تسمع قراءته خارج المسجد، وكان بلال يؤذن بين يديه ويقيم في يوم الجمعة في المسجد.
وقد كره بعض علماء المالكية في مسجد المدينة خاصة لمن بعد النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يزيد في رفع صوته في الخطب والمواعظ على حاجة إسماع الحاضرين، تأدبًا مع النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ لأنه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حاضر يسمع ذلك، فيلزم التأدب معه، كما لو كان حيًا.
وما لا حاجة إلى الجهر فيه، فإن كان فيه أذى لغيره ممن يشتغل بالطاعات كمن يصلي لنفسه ويجهر بقراءته، حتى يغلط من يقرأ إلى جانبه أن يصلي، فإنه منهي عنه.
وقد خرج النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليلة على أصحابه وهم يصلون في المسجد ويجهرون بالقراءة، فقال: ((كلكم يناجي ربه، فلا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن.
وفي رواية: ((فلا يؤذ بعضكم بعضا، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة. خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي سعيد.
وكذلك رفع الصوت بالعلم زائدًا على الحاجة مكروه عند أكثر العلماء، وقد سبق ذكره مستوفى في أوائل ((كتاب: العلم))
في باب رفع الصوت بالعلم.

الوجه الثاني: رفع الصوت بالاختصام ونحوه من أمور الدنيا، فهذا هو الذي نهى عنه عمر وغيره من الصحابة.
ويشبه: إنشاد الضالة في المسجد، وفي صحيح مسلم، عن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كراهته والزجر عنه، من رواية أبي هريرة وبريدة.
وأشد منه كراهة: رفع الصوت بالخصام بالباطل في أمور الدين؛ فإن الله ذم الجدال في الله بغير علم، والجدال بالباطل، فإذا وقع ذلك في المسجد ورفعت الأصوات به تضاعف قبحه وتحريمه.
وقد كره مالك رفع الصوت في المسجد بالعلم وغيره. ورخص .... ومحمد بن مسلمة من أصحاب مالك في رفع الصوت في المسجد بالعلم والخصومة وغير ذلك مما يحتاج إليه الناس؛ لأنه مجمعهم ولا بد لهم منه. وهذا مبني على جواز القضاء في المساجد. وقد سبق ذكره.